بسم الله الرحمن الرحيم
و رحلا أحمد و يوسف.

إنهما قلبان في جوف واحد لا تقل لي كيف بل سلم
بالأمر و أتركنا من الكيفية و الحيثية.
إنهم أخلاء لطالما ضحكنا سويا و لعبنا سويا
و للأسف افترقنا سويا.
حينما رأيت تذكرة السفر كدت أخر من السماء
و ودت أن لا أب لي و ثكلتني أمي و ترنحت
فرط حزناً عليهما.
إن النفس تشتاق و القلب ينفطر و القريحة
تتأجج لما علمت أن فناء حديقتي الخليفة
سوف يصبح خاويا إلا من نفحات فكري
و صرير قلمي و عويل نفسي.
حينما يقطن الحزن في نفسك فإنه يرميك
لبحر لا ساحل له و على أثرها يتعشعش
الكمد بين ضلوعك و في حناياك.
لقد داهمني الجزع فجأة و قتلني على حين غرة
و لازلت أرتشف أول قطرة من الكوب.
واقلباه واحبيباه لقد اضطرب الجسم واهتز الجذع
و ارتدعت الفرائص لما تصافحنا صفاح الوداع
و بكينا بكاء الفراق علمت حينها أن القلب مضغة
يتأثر بالإحسان و يرأى بالعاطفة و يتغنى بالماضي.
إنهم علموني كيف أضحك و لكن لم يخبروني كيف
أستطيع أن أبكيهم يا ويلتاه إن الحرقة تلجمني
والبرد يصفعني وأنا قابع في منتصف الطريق.
تمازجت دموع الفرح بالعتاب وللأمانة
لم أستطع أن أصلح ما أفسده العطار.
إن الأماكن تبدو شاحبة بدونهما كالألوان للصورة
وكالماء للحياة وكالفصاحة للسان.
عظماء بالتواضع و مميزين بالمؤهلات و فوق
كل ذلك عليهم سربال من الدين و لا نزكي على
الله أحدا.
لقد تفرقنا و تفرقت بفرقتنا أشياء كثيرة فالفرح
قد ولى مغاضبا والأنس رحل من الديار و الضحك
لازم بيته و تنسك وتاب إلى الله.
و بفرقتكم اجتمعت بي أشياء كثيرة فالنياح زادي
والتشكي مشربي و الأطلال هي موعدي و مستقري.
آواه على أيام اللقاء كانت الصفوة في عمري والجميلة
في يومي والمبكية لأعدائي.
تفنن الزمان في لطمي و ضربي و تفننت أنا بسكب
الدماء على المحاجر وبين اللهاة و زمن التراقي.
لا شك أن الإنسان الحقيقي الذي رزقه الله نفسا
تذود عن الأخوة و تذب عن شرف الملاقاة لهي
جديرة بأن تتقلب على جمار لطالما أطفئتها برد
اللقاء و موت الجفاء و رؤية الأخلاء.
والله لكأن ابن زيدون يقصدكم حينما قال :
أضْحَى التّنائي بَديلاً مِنْ تَدانِينَا***وَنَابَ عَنْ طيبِ لُقْيانَا تجافينَا
ألاّ وَقَد حانَ صُبحُ البَينِ، صَبّحَنا***حَيْنٌ، فَقَامَ بِنَا للحَيْنِ نَاعيِنَا
مَنْ مبلغُ الملبسِينا، بانتزاحِهمُ،***حُزْناً، معَ الدهرِ لا يبلى ويُبْلينَا
غِيظَ العِدا مِنْ تَساقِينا الهوَى فدعَوْا***بِأنْ نَغَصَّ، فَقالَ الدّهرًُ آمينَا
فَانحَلّ ما كانَ مَعقُوداً بأَنْفُسِنَا؛***وَانْبَتّ ما كانَ مَوْصُولاً بأيْدِينَا
لم نعتقدْ بعدكمْ إلاّ الوفاء لكُمْ***رَأياً، ولَمْ نَتَقلّدْ غَيرَهُ دِينَا
لا تَحْسَبُوا نَأيَكُمْ عَنّا يغيّرُنا؛***أنْ طالَما غَيّرَ النّأيُ المُحِبّينَا!
وَاللهِ مَا طَلَبَتْ أهْواؤنَا بَدَلاً***مِنْكُمْ، وَلا انصرَفتْ عنكمْ أمانينَا
لَسنا نُسَمّيكِ إجْلالاً وَتَكْرِمَة ً***وَقَدْرُكِ المُعْتَلي عَنْ ذاك يُغْنِينَا
إذا انفرَدَتِ وما شُورِكتِ في صِفَة ٍ***فحسبُنا الوَصْفُ إيضَاحاً وتبْيينَا
يا جنّة َ الخلدِ أُبدِلنا، بسدرَتِها***والكوثرِ العذبِ، زقّوماً وغسلينَا
كأنّنَا لم نبِتْ، والوصلُ ثالثُنَا،***َالسّعدُ قَدْ غَضَّ من أجفانِ وَاشينَا
إنْ كان قد عزّ في الدّنيا اللّقاءُ بكمْ***في مَوْقِفِ الحَشرِ نَلقاكُمْ وَتَلْقُونَا
فوالذي نفسي بيده أننا لازلنا محبينا
وفي حفظ الله و رعايته ويكلؤكم الله
بستره و كرمه....هذه بعض من بوح
و تذكرة للخلد و بكاء للطريق و قد
قيل قديما أن السلام ختام
فسلام الله عليكما ورحمته وبركاته.
.jpg) |